ابن عجيبة

586

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم أبطل دعوى من أنكر البعث ، وهو من جملة قولهم ، الذي أمر نبيه بالتسلى عنه ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 77 إلى 83 ] أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 ) يقول الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ مذرة ، خارجة من الإحليل ، الذي هو قناة النجاسة ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ؛ بيّن الخصومة ، أي : فهو على مهانة أصله ، ودناءة أوله ، يتصدّى لمخاصمة ربه ، وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمّت عظامه . وهي تسلية ثانية له صلى اللّه عليه وسلم ، وتهوين ما يقولونه في جانب الحشر ، وهو توبيخ بليغ ؛ حيث عجّب منه ، وجعله إفراطا في الخصومة بيّنا فيها . روى أن أبىّ بن خلف أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم بعظم بال ، ففتّه بيده ، وقال : يا محمد ؛ أترى اللّه يحيى هذا بعد ما رمّ ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « نعم ويبعثك ويدخلك جهنم » « 1 » فنزلت الآية . وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ، أمرا عجيبا ، بأن جعلنا مثل الخلق العاجزين ، فنعجز عما عجزوا عنه ؛ من إحياء الموتى ، وَنَسِيَ خَلْقَهُ من المنىّ المهين ، فهو أغرب من إحياء العظم الرميم . و « خلقه » : مصدر مضاف للمفعول ، أي : خلقنا إياه ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؛ بال مفتت ، وهو اسم لما بلي من العظام ، لا صفة ، ولذلك لم يؤنّث . وقد وقع خبرا لمؤنث ، وقيل : صفة بمعنى مفعول ، من : رممته ، فيكون كقتيل وجريح . وفيه

--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 23 / 30 ) والواحدي في أسباب النزول ( ص 379 ) عن قتادة . وعزاه السيوطي في الدر ( 5 / 508 ) لسعيد بن منصور ، وابن المنذر ، والبيهقي في البعث ، عن أبي مالك . وأخرج الحاكم ( 2 / 429 ) وصححه ووافقه الذهبي عن ابن عباس : أن الآية نزلت في العاص بن وائل . والآية عامة ، والألف واللام في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ للجنس ، يعم كل منكر للبعث .